مشاهدة النسخة كاملة : رواية حصاد الحب - الفصل السابع


imported_ahmed
11-30-2009, 02:33 PM
الفصل السابع
استيقظ عمر من نومه ليجد والده بجواره جالسا ً على حافة سريره وما لبث أن حدثه بنبرة حانية :
-صباح الخير يا بني ...
-صباح الخير يا أبي ...كم الساعة الآن ؟؟
-قد تجاوزت الخامسة بقليل ...يجدر بك أن تنهض الآن حتى تلحق بمحاضرتك ....
-حسنا ً يا أبي سأنهض الآن ........تركه والده وخرج وما لبث أن نهض عمر في تكاسل وذهب فاغتسل وأدى صلاته ثم انطلق حاملا ً حقيبته بعد أن ودع والديه وأختيه ....كان الطريق خاليا ًوتنبعث من الأرجاء رائحة الزهور تحملها نسمات الصباح....-إنها بداية رائعة تبعث على التفاؤل ..حدث عمر نفسه بهذه العبارة ثم بدأ في ترديد احدى أغنيات فيروز بصوت هامس ....وصل عمر إلى موقف الحافلات الذاهبة للمنصورة ووجد إحدى الحافلات في انتظار ركابها للمغادرة وكان هو أول الركاب
انتقى عمر لنفسه مكانا ً في نهاية الحافلة بجوار النافذة ..ألقى بجسده على المقعد ووضع حقيبته على قدمية وأسند رأسه إلى زجاج النافذة ثم أطبق عينيه في تكاسل فلا زال بعض النوم عالقا ً بأجفانه يأبى المغادرة ... رغم ذلك لم ينم عمر فقد كان متيقظا ً يستمع لأصوات الركاب واستطاع تمييز أصوت بعض النسوة وأيضا ً أصوات بعض الطيور التي يحملنها قاصدين بيعها في المدينة كما اعتدن...أحس عمر بمن يجلس بالمقعد المجاور له ومع ذلك لم يهتم أو يفتح عينيه ليرى جاره في تلك الرحلة القصيرة ... بدأت الحافلة المغادرة وأثارت محركاتها هزة طفيفة بزجاج النوافذ ما دفع عمر إلى الانتباه ....فتح عمر عينيه واعتدل بجلسته ليرى الجالسة بجواره والتي لم تكن لدهشته سوى هاجر ابنة خالته فما كان منه إلى أن ابتسم والتفت محدثا ً إياها في دهشة :
-هاجر ؟!!! صباح الخير يا لها من مصادفة جميلة أن أراك اليوم
-صباح الخير يا عمر ...كيف حالك؟؟؟...قالتها هاجر مبتسمة في هدوء يناسب جمالها الهاديء...
-الحمد لله أنا بخير حال ...كيف حالك أنت ِ؟؟وخالتي كيف حالها ؟؟
-كلنا بخير حال والحمد لله ...لكن خالتك غاضبة منك لعدم زيارتنا
-أعرف تقصيري في هذا الشأن ..لكنك تعلمين ضيق وقتي واقتراب موعد امتحانات نهاية العام ...
-أعلم هذا كان الله في عونك وقد حدثتها بما قلته الآن وهي تقدر ما أنت فيه ...
حاول عمر تغيير مجرى الحديث فبادرها بسؤالها عن دراستها قائلا ً:
-أعلم أن الدراسة بجامعة القاهرة صعبة جدا ًوخاصة لسكان الأقاليم ...أليس كذلك؟؟؟
-نعم ..وخاصة بالنسبة لفتاة ..فأنا –كما تعرف-أسكن بمدينة الطالبات الملحقة بالجامعة وأقضي بالبيت يوما ًأو يومين كلما سنحت فرصة ..كما أن نظام الدراسة بها قاسي جدا ..لكني أحاول التغلب عليها ..فقد كانت اختياري من البداية
-كان بامكانك الالتحاق بجامعة المنصورة مثل سارة خاصة وأن بينكما علاقة صداقة ..كما أني لا أحبذ اغتراب الفتاة حتى ولو كان بهدف الدراسة
-أنا أحب دراسة التاريخ والآثار وهذا ما لا يتواجد بجامعة المنصورة ... كما أنك ولنفس السبب التحقت بجامعة الزقازيق لدراسة الهندسة المدنية رغم وجود هذا التخصص بجامعة المنصورة لكنك بحثت عن الأفضل واخترته...أم تراك تفرق ما بين شاب وفتاة ؟؟؟؟
وجد عمر في كلامها بعض الحدة على غير عادتها في الحديث خاصة معه وكأنه قد لامس احدى مناطقها المحظورة ...حاول عمر الخروج من ذلك النقاش الشائك قائلا ً:
-بالطبع لا ...لكني أشفق عليك ِ فأنت تعلمين أن منزلتك عندي لا تقل عن منزلة سارة
تغيرت ملامحها كليا ًإثر سماعها تعبيره الأخير وارتسمت بوجهها لوحة للحزن وخيبة الأمل ...ولم ترد بكلمة لكنها اكتفت بالنظر اليه في صمت لثوان قبل أن تلملم شتاتها وتتحدث في شرود حزين:
-أعلم هذا وأقدر لك شعورك الأخوي تجاهي ....
كان عمر يدرك السبب في ردة فعلها هذه وتمنى لو استطاع اخبارها أنه ما ذكر إلا الحقيقة ...تمنى لو استطاع افاقتها من حلم ٍ ربما كان تحققه مستحيلا ً..لكنه اكتفى بالصمت...استمر الصمت بينهما لدقائق عدة قبل أن تصل الحافلة إلى نهاية رحلتها بمدينة المنصورة ...نهض عمر أولا ً وأصر أن يحمل حقيبة هاجر عنها في نوع ٍ من الاعتذار قدرته الأخيرة لكنه لم يكن كافيا ًلمحو آثار الحزن من خطوط وجهها ....نزلت هي أولا ًوفي إثرها عمر الذي تحدث إليها في نبرة آسفة :
-أعرف أني ثرثار جدا لكن اعذريني فأنا لا أراك إلا على فترات متباعدة
-لا عليك فأنا أيضا ًكنت أحتاج نصائحك الأخوية تلك
كان لتكرارها تلك الكلمة معنى فهمه عمر وهو ألا مجال الآن للتخفيف عنها ولا داعي للمزيد من حواره ما جعله في الأخير يصافحها مودعا ً:
-أراك ِعلى خير إن شاء الله ......
-إن شاء الله ....صحبتك السلامة ........انطلقت هاجر تشيعها نظرات عمر الحائرة والتي كانت تعبر عما يجول بخاطره من أفكار ...اختفت هاجر عن أنظاره وتناول في الأخير حقيبته وانطلق هو الآخر إلى وجهته ...كانت الساعة قد جاوزت السادسة بقليل عندما استقل عمر الحافلة والتي كان سائقها ينتظر تمام ركابها لينطلق ....كانت الحافلة شبه خاوية الا من بعض الركاب يتناثرون كقطع الشطرنج الباقية قبل انتهاء اللعبة ...اتخذ عمر لنفسه مكانه المعتاد لكن هذه المرة كان بوسط الحافلة ..نظر من النافذة الى المنظر بجواره لكنه في الحقيقة لم يره فقد كان عقله مشغولا ً بالتفكير في أمر ٍآخر ...كان يفكر في هاجر ..يعاتب نفسه حينا ًويوبخها حينا ً ويلتمس لها العذر أحيانا ً كان بداخله صراع دائر ما بين عقله وقلبه ... قد كانت هاجر اختيارا ًمثاليا ًلعقله فهي جميلة وهادئة وفي نفس مستواه المادي كما أن ثقافتها وتعليمها وإن كانا أقل منه إلا أنهما مناسبين ويسبق كل ذلك أنها تحبه جدا ً..لكنها لم تكن في أي يوم ٍمن الأيام اختيارا ً لقلبه وهذا ما كان يرفضه عمر ...يرفض أن يتزوج إلا ممن تستولي على قلبه عنوة وتجبر هذا القلب- الذي لم يسلم مفاتحه لأنثى من قبل- على حبها
تملك التفكير عقل عمر حتى أنه ما عاد يشعر بالدنيا من حوله إلى أن أخرجه صوت ٌبجواره :
-ما لك يا بني ؟؟ هل أنت بخير ؟؟
التفت عمر إلى محدثه ...كان رجلا ً وقورا ًتبدو عليه الطيبة ..في بداية خمسينيات عمره ..أشيب الشعر إلا من بعض شعيرات ترفض الخضوع لسنة الزمن ...نظر إليه عمر مستغربا ًقبل أن يتحدث قائلا ً:
-نعم أنا بخير حال ٍ الحمد لله ...قالها عمر وقد حملت نظراته ما بداخله من دهشة ..وقد فهم محدثه مغزى نظراته ما جعله يستمر في الحديث قائلا ً:
-عذرا ًيا بني قد وجدتك شاردا ًمهموما ً وسمعت همهمات غير مفهومة تصدر منك ..ما جعلني أبادرك بسؤالي السابق
-همهمات؟!! هل تقصد أني كنت أحدث ذاتي ؟؟!...سأله عمر وقد زادت دهشته
-نعم يا بني هذا ما حدث...يبدو أن هناك ما يشغلك بشدة ..عذرا ً لتدخلي لكن عليك أن تعلم يا بني أن الانسان ومهما علت قدراته ..يبقى عقله في أحيان كثيرة عاجزا ًعن الادراك ........
كان عمر ينظر إلى الجالس بجواره منتبها ًلكلماته وقد بدا له شخصا ً مناسبا ًللتحاور ..خاصة وأن الرحلة لا تزال في بدايتها وطالما أحب عمر التحاور مع من يفوقه خبرة ليتعلم منه ..رد ّعمر في نبرة هادئة :
-أعرف هذا يا سيدي ومقتنع به تمام الاقتناع ..لكن لا يستطيع الانسان منع نفسه التفكير خاصة حينما تواجهه مشكلات تستدعي تفكيره
-وما هي المشكلات التي من الممكن أن يواجهها شاب مثلك لا يزال في مقتبل حياته ؟؟؟
-ربما كانت مشكلاتي بالنسبة إليك أو إلى والدي مثلا ً تعتبر إلى حد كبير تافهة ولا تستدعي التفكير ..لكن بالطبع عندما كنتما في مثل عمري كانت تشغل بالكما نفس الأمور
نظر إليه الشيخ مبتسما ًفي ود ٍ قبل أن يكمل :
-أرى لك عقلا ً راجحا ًبارك الله لك فيه ..لكن يا بني طالما أنت تعلم أنها أمور ثانوية لم يحن بعد وقت التفكير فيها وتعلم أن الوقت المستغرق للتفكير فيها هو وقت مهدر ..فلماذا تكرر خطأ ً أنت تعرفه؟؟!!
انتبه عمر أخيرا ً إلى أنه لم يصرح لرفيق رحلته عما كان يفكر فيه ومع ذلك يناقشه وكأنه على علم ٍبه ...فاضطر لسؤاله ليزيل ما اعتراه من تعجب :- عذرا ً يا سيدي لكنك تتحدث إلي وكأنك على علم ٍبما كان يشغل تفكيري ........
ابتسم محدثه ابتسامة هادئة قبل أن يجيب بهدوء الواثق :
-مؤكد أنه أمر يخص حبيبتك أو فتاة أحلامك أو شيء من هذا القبيل .. فهذا ما يشغل غالبية الشباب والفتيات بمثل عمرك
تعجب عمر من إجابته لكنه ما لبث أن التقط أطراف حديث ٍبدا له ممتعا ً ومفيدا ً:أتعني أن التفكير في هذه الأمور خطأ؟؟
-نعم هو خطأ لا يستطيع أحد تجنبه!!!
اكتست ملامح عمر بالدهشة ثانية واكتفى بنظرة متسائلة فهمها محدثه وأكمل حديثه قائلا ً:
-ما أعنيه أن التفكير بهذه الأمور في مثل هذا التوقيت خاطىء لكن كلنا وقعنا فيه لما كنا في مثل أعماركم ..بتعبير آخر هو الخطأ الذي لا مفر منه
-لكن برأيك ما العمل إن كنا لا نستطيع تجنبه؟؟
-إذا كان هناك خطأ لا بد وأنك فاعله مرغما ًفعليك التفكير في كيفية الخروج بأقل الخسائر الممكنة ...
أومأ عمر برأسه علامة التفهم ثم تحدث قائلا ً:
-تعني أن أحاول ألا أدع هذا التفكير يشغلني عما هو أهم
رد الشيخ باسما ً في فرح من وصل مبتغاه :
-هذا بالضبط ما قصدته ...حسن توزيع للاهتمامات والأولويات ...الأهم فالمهم ..تلك هي الطريقة المثلى التي تمكنك استغلال ما هو متاح لتحقيق أفضل النتائج وبأقل الخسائر
هز عمر رأسه علامة الموافقة وازداد اعجابه بمحدثه وبدت الفرحة في عينيه أن اغتنم الفرصة وتحدث معه ...مرت لحظات ٌ من الصمت قطعها الشيخ بحديثه قائلا ً:
-لم أعرف اسمك بعد يا بني !!
ابتسم عمر قبل أن يجيبه:- أنا عمر ..أدرس بكلية الهندسة المدنية
-ما شاء الله ...قالها الشيخ مربتا ً على كتف عمر ثم تابع حديثه قائلا ً
-أتعلم يا بني ..كان حلم حياتي أيام الطفولة والصبا أن ألتحق بكلية الهندسة لكن لم يوفقني الله لذلك والتحقت بكلية التربية وأنا الآن متقاعد منذ سنتين لبلوغي سن المعاش ...كنت أعمل مدرسا ً لمادة التاريخ طوال خمس ٍ وعشرين عاما ً
-اتعني أن عمرك الآن تجاوز الستين عاما ً.؟!!
-نعم
-كنت أحسبك أصغر من ذلك بعشر سنوات تقريبا
ابتسم الشيخ ابتسامة واسعة قبل أن يتحدث :
-يتشابه الرجال بعد تخطيهم سن الخمسين ويصعب عليك تمييز أعمارهم
-صدقت يا سيدي ..تبدو خبرتي قليلة في هذا الشأن
رانت لحظات من الصمت اختلس فيها عمر النظر الى المنظر خلف زجاج النافذة ..كانت الحافلة قد قطعت ثلثي المسافة تقريبا ًبين المنصورة والزقازيق ...التفت عمر ثانية إلى الشيخ فوجده ينهض ثم مد إليه يده مصافحا ً..نهض عمر وصافحه باحترام قبل أن يقول :
-كنت أود متابعة حديثي الشيق معك سيدي لكن يبدو أنك لن تكمل معي الطريق إلى مدينة الزقازيق
ابتسم الشيخ قائلا ً وانا أيضا ً كم سعدت بمحاورة شاب متميز مثلك... كدت أنسى !! اسمي عادل
-تشرفت بلقائك يا أستاذ عادل
-وأنا أيضا ً ..أتركك في رعاية الله
-في حفظ الله ورعايته أستاذي
توقفت الحافلة وهبط منها الأستاذ عادل تتابعه نظرات عمر الذي استقر بمقعده ثانية وانطلقت الحافلة تواصل طريقها ...انشغل عمر بمتابعة ما تقع عليه عينيه من مناظر خلف زجاج النافذة ..انقضت الدقائق تباعا ًووصلت الحافلة محطتها الأخيرة وهبط منها عمر ..سار عمر بضع خطوات قبل أن يتوقف بمحازاة الطريق في انتظار سيارة أجرة تقله إلى حيث يسكن ..لم ينتظر طويلا ً فقد كان الوقت لا يزال مبكرا ً ووسائل المواصلات متاحة .. كانت الساعة تعلن تجاوزها السابعة بقليل عندما كان عمر يفتح باب الشقة وما أن دخل حتى ألقى بحقيبته على السرير وجلس على حافته.. أطلق عمر زفرة ارتياح وبدأ في تحريك مفصل كتفه الذي أتعبه حمل الحقيبة والتنقل بها طوال الطريق...ألقى عمر نظرة سريعة على محتويات الشقة ولما لم يجد أية حقائب أخرى علم أنه أول العائدين
-كوب من الشاي الساخن يبدو مطلبا ًضروريا ًالآن ...حدث عمر نفسه بهذه العبارة وتوجه إلى المطبخ وعاد حاملا ً كوبا ً من الشاي آثر تناوله بالشرفة ...ظل عمر يتابع بعينيه المارين أسفله ما بين طلبة وعمال ... وعندما مرت أمامه فتاة أنيقة جميلة ابتسم ساخرا ً وتساءل في نفسه
- أين أنت الآن يا حسن .....دقائق وأنهى عمر مشروبه ثم نظر إلى ساعته فوجدها تشير إلى السابعة والنصف ....-يتبقى على ميعاد المحاضرة ساعة ونصف وقد بدأ الملل يتسرب إلي ّ ...ترددت هذه العبارة في نفس عمر .. كانت لعمر شخصية ملولة لا تطيق الإنتظار ما دفعه الى قراره بالذهاب إلى الكلية في مثل هذا الوقت المبكر ..انتقى عمر من كتبه وأدواته ما سيحتاج إليه خلال يومه ثم انطلق خارجا ً..كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة عندما كان عمر يقف أمام باب قاعة المحاضرات والذي كان لا يزال مغلقا ً
-يبدو أن الوقت لا يزال مبكرا ًجدا ً..هكذا حدث عمر نفسه وهو يعود أدراجه متجها ً إلى الخارج ثانية ً..كانت نيته أن يجلس في حديقة الكلية ينتظر أيا ً من زملائه كي يشاطره الوقت المتبقي حتى تبدأ المحاضرة ... وجد عمر بعضا ًمن زملائه في الحديقة غير أنه لم يجد بينهم من تسمح علاقته به أن يتحدث إليه...توقف عمر قليلا ً يفكر قبل أن تطرأ على باله فكرة ما لبث أن بدأ تنفيذها ..اتجه عمر إلى الكافتيريا الخاصة بالكلية عازما ً نيته أن يقضي الساعة المتبقية في الكتابة وكل ما أراده أن يجلس في المكان الذي احتوى أول لقاءاته بنيرمين ..وجد عمر الكافتيريا خالية من الرواد إلا من بضعة أشخاص متناثرين هنا وهناك ....اتجه عمر مباشرة إلى الطاولة التي سبق وجالس نيرمين إليها لكن ما لبث أن توقف لما رأى فتاة ً تجلس إليها ...-ذلك ما كان ينقصني !!! من دون كل الطاولات لم يعجبها إلا هذه الطاولة رغم خلو الكافتيريا من الرواد!!... ترددت هذه العبارة داخله واتخذ من الطاولة السابقة لطاولتها مجلسا ً له ..
جلس عمر ونظر إلى ظهر الفتاة التي أمامه نظرة حنق ما لبثت أن اختفت ..جال بنظراته في الحديقة المجاورة للكافيتيريا وتذكر أول لقاء بينه وبين نيرمين ...أخرج بعض الأوراق وتناول قلمه وبدأ في كتابة واحدة من أجمل نثرياته أسماها (دقائق خارج الزمن )وصف فيها ما كان من لقائهما وما كان عليه إحساسه ...مضت ربع ساعة قبل أن ينهي عمر كتابته ..أشار إلى النادل وما لبث أن أتاه الأخير سعيا ً..طلب عمر كوبا ًمن الليمون وذهب النادل لأحضاره...أمسك عمر الورقة التي كان يكتب بها وبدأ في قراءتها وجعل يتحول ببصره ما بين الزهور والورقة يقرأ حينا ً ويشرد ناظرا ً للزهور حينا ً حتى جذب انتباهه صوت ارتطام شيء ما بالأرض ..وبحركة غريزية توجه بنظره إلى حيث مصدر الصوت ..كانت حقيبة الفتاة التي أمامه قد سقطت بجانبها ما جعلها تنحني لالتقاطها وتمكّن عمر من رؤية جانب وجهها ....هتف عمر في دهشة وصوت عال ٍبعض الشيء:- نيرمين !!!
استدارت نيرمين بكامل جسدها لتواجه الجالس خلفها بابتسامة ساحرة مدهشة قدر دهشة صاحبتها :- أنت هنا؟؟!!!
غادر عمر طاولته وتقدم اليها وكأنه يتقافز ثم أتبع مازحا ً
-لا لست هنا إني هناك وسأعود بعد قليل
ابتسمت نيرمين في مرح وقالت :- ستظل كما أنت !!! ..لكن أخبرني منذ متى وأنت هنا ؟؟؟
-منذ ثلث ساعة تقريبا ً...جلس عمر في مواجهتها وهكذا كانت اجابته
-وبالطبع لم تعرفني لما كنت خلفي ؟؟
-نعم هذا ماحدث لكن ماذا ....
قطع حديثهما قدوم النادل حاملا ًكوب الليمون لعمر الذي سأل نيرمين إن كانت تريد شيئا ً لكنها أجابت بالنفي ..انصرف النادل وعادا لحديثهما
-أكمل سؤالك ....
-ماذا كنت تفعلين هنا ؟؟ رأيتك مشغولة بالكتابة ...نظر عمر إلى الكتب أمامها ثم ابتسم وتابع مازحا ً:
-هكذا اذا ً تذاكرين ؟!! قد عزمت ِالنية على منافسة صديقي علي إذا ً؟؟
ابتسمت نيرمين ثم ردت ساخرة :
-لا يا عبقري هذا الزمن !!لم أكن أذاكر ولا داعي للحسد
ضحك عمر متابعا ً حديثه :- ماذا كنت تفعلين هنا إذا ً
-يبدو اصرارك على معرفة ما كنت أفعله واضحا ً...سأخبرك ... صحوت من نومي مبكرا ًعلى غير عادتي ومللت الجلوس في المنزل ولهذا حضرت إلى الجامعة مبكرا ًولما رأيت القاعة لا تزال مغلقة فكرت أن آتي إلى هنا لأذاكر قليلا لكن هذا لم يحدث فقد قضيت النصف ساعة الماضية في كتابة خاطرة نثرية ..سأجهزها للعدد القادم من مجلة الكلية ........
كان عمر يتابع حديثها بعيون متسعة تملؤها الدهشة وما أن أتمت حديثها حتى هربت منه ضحكة بدت عالية بعض الشيء نظرا ً لهدوء المكان في مثل هذا التوقيت......
-ماذا يضحكك في ذلك ؟؟؟....قالتها نيرمين مبتسمة رغما ً عنها
-لأن هذا ما حدث لي بالضبط ..الفارق الوحيد أني حضرت إلى هنا بنية كتابة ما يمليه علي ّ خيالي من مقطوعات أدبية ولم تكن المذاكرة نيتي
ضحكت نيرمين في براءة طفولية ثم ردت :- يا لها من مصادفة وكأنها مشهد لأحد الأفلام الكلاسيكية ...
ابتسم عمر وتحدّث في هدوء:- الحياة الواقعية مليئة بالمصادفات والمفارقات العجيبة لكننا لا نلحظها ...لكن عندما نراها بأحد المشاهد أو نقرأها نشعر أنها مصادفة ...تعرفين ؟ أنا لا أؤمن بالمصادفة إطلاقا ً فأنا مقتنع أن كل شيء بهذا الكون مرتّب له ومحسوب بدقة ..لكننا عندما تعجز عقولنا عن فهم الأسباب نلصق هذا الوصف بالأحداث وندعي أنها مصادفة
هزت نيرمين رأسها قبل أن تتحدث بهدوء : إلى حد ّكبير يبدو رأيك منطقياً
سكت عمر لثوان ريثما شرب بعض عصير الليمون ثم نظر إليها متسائلا ً:
-هل لي أن أطلع على ما خطه قلمك منذ قليل ؟؟؟
أجابت نيرمين مازحة :- وماذا تعطيني في المقابل ؟؟؟أنت تعلم جيدا ً ألا شيء بلا ثمن !!
ابتسم عمر مجيبا ً:- نعم أعلم هذا جيدا لكن لم أكن أعلم أنك من هذا الصنف من البشر ..ماذا تريدين يا أكرم شخصية عرفتها !!!
-ليس بكثير !!فقط أريد أن أطلع أنا الأخرى على ما كتبته
-هكذا إذا ً!! إنها صفقة مقايضة
-بالطبع إنها كذلك ...وانا الرابحة بالتأكيد ...قالتها نيرمين باسمة ً في خجل
رد ّعمر بغرور مسرحي َ:- أخجلتم تواضعنا ...إذا ً نحن متفقان
تلاقت ضحكاتما قبل أن يمد كلاهما يده بما كتب ويعطيه للآخر... كان ما كتبته نيرمين يقع في ورقتين أي ضعف ما كتبه عمر !!..بدأ عمر القراءة وكم كانت دهشته كبيرة لما رأى العنوان(لقاء لا ينسى )وقد كان موضوع كتابتها هو نفسه ما دفعه للكتابة ...- هل هذا يعني أنها.....؟ ..ولد هذا السؤال المبتثر بداخل نفس عمر لكنه ما لبث أن ألقى به من عقله قبل أن يكمل ما كتبته نيرمين ...فرغ عمر من قراءة ما بيده وما أن رفع رأسه حتى سحرته تلك النظرة الموجهة إليه من نيرمين...كانت نظرة يصعب تفسيرها تختلط فيها مشاعر عدة ..فرح ..خجل..براءة..دهشة..أمل..و..وإعجاب... وكان الأخير هو أكثر ما أسعد عمر...تعلقت عينا كلاهما بالآخر لثوان ٍ دون أن ينطقا بكلمة ...فقد قيلت في تلك الثواني عشرات الكلمات لكنها لغة العيون والتي مع ميلادها تأكد لكليهما أنهما أصبحا ببداية الطريق ...طريقهما سويا ً..................
-هل أعجبك ما كتبت .............هكذا أنهى عمر ثوان الصمت
-نعم بالطبع ...أنا منذ البداية إحدى معجبات كتاباتك وأتابعها بشغف....
نظر عمر إلى ساعة يده قبل أن يتحدث :
-يجدر بنا أن نمضي الآن ...يتبقى ربع ساعة فقط على موعد بدء المحاضرة ....
-حسنا ً...معك حق ..هيا ...
نقد عمر النادل ثمن ما شربا ثم انطلقا إلى حيث قاعة المحاضرات ... وافترقا عند باب القاعة وذهب كل منهما إلى أصدقائه .... كان علي وحسن يجلسان بأول صف من مقاعد القاعة في مكانهم المعتاد عندما أقبل عليهما عمر مصافحا ً وسألهما عن أحوالهما وردا بما طمأنه عليهما ثم تحدث اليهما بعد ان استقل مقعدا بجوارهما قائلا ً:
-أين خالد ألن يأت بعد؟؟؟
رد علي :-وصلت الشقة وما أن رتبت ملابسي وكتبي حتى قدم حسن وانتظرنا خالد سويا ًلكنه تأخر فآثرنا أن ننتظره هنا ..
-هل قام أحدكما بمحاولة الاتصال به؟؟؟
-لا ..الوقت لا يزال مبكرا ً ربما هي وسائل المواصلات وبطئها ..أو ربما تأخر في الاستيقاظ....هكذا أجابه حسن
-ربما ...لكني سأتصل حالا ً للاطمئنان فليس من عادة خالد التأخر
أمسك عمر هاتفه وقام بالاتصال بصديقه ...وبالفعل كان عمر محقا ً في قلقه فالذي تسبب في تأخر خالد كان

admin
05-11-2015, 10:07 PM
¨°o.O ( ××قمرهم كلهم××) O.o°¨



حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
ياهلا بك بين اخــوآنج وخؤاتج..
ان شاء الله تسمتعين ؤيآنا ..
وتفيدين وتستفيدين ؤيآنا ..
وبانتظار مشاركاتـج وابداعاتـج ..
ســعداء بتـواجـدج ؤيآنا .. وحيـاج الله